محمد الحميدي
43
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
دون مانع ، وتسمّى بالخلافة ، وتلقّب بالمعتلي . فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره ، واستمال البربر ، وزحف بهم إلى قرطبة ، فدخلها [ 11 أ ] في سنة ثلاث عشرة وأربع مائة ، وهرب يحيى بن عليّ إلى مالقة ، فبقي القاسم بقرطبة شهورا اضطرب أمره ، وغلب ابن أخيه يحيى على الجزيرة المعروفة بالجزيرة الخضراء ، وهي كانت معقل القاسم ، وبها كانت امرأته وذخائره . وغلب ابن أخيه الثاني إدريس بن عليّ ، صاحب سبتة ، على طنجة ، وهي كانت عدّة القاسم ليلجأ إليها إن رأى ما يخاف بالأندلس ، وقام عليه جماعة أهل قرطبة في المدينة ، وأغلقوا أبوابها دونه ، فحاصرهم نيّفا وخمسين يوما ، وأقام الجمعة في مسجد ابن أبي عثمان . ثم إنّ أهل قرطبة زحفوا إلى البربر ، فانهزم البربر عن القاسم ، وخرجوا من الأرباض كلّها في شعبان سنة أربع عشرة وأربع مائة ، ولحقت كلّ طائفة من البربر ببلد غلبت عليه ، وقصد القاسم إشبيلية ، وبها كان ابناه : محمد ، والحسن . فلمّا عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة ، ومجيئه إليهم ، طردوا ابنيه ومن كان معهما من البربر ، وضبطوا البلد ، وقدّموا على أنفسهم ثلاثة رجال من شيوخ البلد وأكابرهم ، وهم : القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عبّاد اللّخميّ ، ومحمد بن يريم الألهانيّ ، ومحمد بن محمد بن الحسن الزّبيديّ ، ومكثوا كذلك أياما مشتركين في سياسة البلد وتدبيره . ثم انفرد القاضي أبو القاسم بن عبّاد بالأمر ، واستبدّ بالتدبير ، وصار الآخران في جملة النّاس ، ولحق القاسم بشريش ، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى ، وزحفوا إلى القاسم فحصروه حتى صار في قبضة ابن أخيه يحيى ، وانفرد ابن أخيه يحيى بولاية البربر ، وبقي القاسم أسيرا عنده وعند أخيه إدريس بعده ، إلى أن مات إدريس ، فقتل القاسم خنقا سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة ، وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة ، [ 11 ب ] فدفنه هنالك . فكانت ولاية القاسم : مذ تسمّى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسره ابن أخيه ،